جمال الدين بن نباتة المصري
227
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
يا بنىّ ، صف لي هذه الزّجاجة ، قال : أبمدح أم بذمّ ؟ قال : بمدح ، قال : تريك القذى ، ولا تقبل الأذى ، ولا تستر ما وراء ؛ قال : فذمّها ، قال : يسرع إليها الكسر ، ولا تقبل الجبر . قال : فصف لي هذه النّخلة - وأومأ إلى نخلة في داره - « 1 » قال : بمدح ، أم ذمّ قال : بمدح « 1 » ، قال : حلو جناها ، باسق منتهاها ، ناضر أعلاها . قال : فذمّها ، قال : صعبة المرتقى ، بعيدة المجتنى ، محفوفة بالأذى ؛ فقال الخليل : يا بنىّ ، نحن إلى التعلّم منك أحوج . ثم اشتغل على أبى الهذيل العلّاف بمذهب الكلام إلى أن برع ، وظهر في أيام المعتصم ، وتبعه خلق كثير ، وكان أصل مذهبهم أنّه من زعم أن اللّه تعالى شيء فهو كافر . ثم ناظر شيخه أبا الهذيل ، وظهر عليه مرارا ، وقيل له : أتناظر أبا الهذيل ! قال : نعم ، وأطرح له رخّا من عقلي « 2 » . وحكى الجاحظ عنه - وكان من أكبر تلامذته وأصحابه - قال : دخل أبو إسحاق النّظّام على أبى الهذيل - وقد أسنّ ، وبعد عهده بالمناظرة ، وأبو إسحاق حديث السنّ - فقال : يا أبا الهذيل ، أخبرني عن فراركم أن يكون جوهرا مخافة أن يكون جسما ، فهلّا فررتم من أن يكون جوهرا مخافة أن يكون عرضا ، والجوهر أضعف من العرض ! فبصق أبو الهذيل في وجهه ، فقال أبو إسحاق : قبحك اللّه من شيخ ! فما « 3 » أضعف حجّتك ! وحكى عنه ، قال : مات لصالح بن عبد القدوس ولد ، فمضى إليه أبو الهذيل
--> ( 1 - 1 ) ت : « قال : بمدح ؟ قال : نعم » . ( 2 ) حاشية ت : « قوله : وأطرح له رخا من عقلي تشبيه ، كما يفعل الماهر في لعب الشطرنج بطرحه رخا أو فرزا ، أو فرسا لمناظره ؛ لسعة ميدانه » . ( 3 ) د : « ما أضعف » .